هذه سلسة من ثلاثيّة الأجزاء حول الطائفة العلوية في سوريا ومذبحة افرادها في آذار الأخير. لقراءة المقال السابق حول كيفية نجاة زياد واقربائه من حادث حصد حياة الكثيرين من عائلتهم الموسّعة، اضغطوا هنا.
بصفته مسلم علوي، يتماثل زياد مع الأركان الرئيسيّة في الإسلام.
“كتابنا هو القرآن، نبيّنا هو محمد وقِبلتنا للصلاة هي الكعبة في مكة”، كما قال.
زياد، هو اسم مستعار سمّيناه به بسبب الوضع الذي مازال غير مُستقِرّ في سوريا، يؤمن في الله وقام برفع دعاه اليه خلال الهجوم السنّي المسلح على المدن والقرى العلوية في المنطقة الساحلية في شمال شرق الدولة.
لكنه لا يمارس شعائر الصلوات المفروضة ولا يصوم في رمضان ولا يعتبر الحج الى مكة ضروريًا. انه يشرب الكحول وهو امر ممنوع على المسلمين الآخرين.
لكن رفض التيار الإسلامي الرئيسي لطائفته يتعدّى هذه التعديات. لفهم سبب اعتبار اغلب المسلمين أن العقائد العلوية بأنها مهرطقه، علينا ان نعرف أوّلًا القليل عن الجناحين الرئيسيين في الديانة الاسلامية – السنّة والشيعة.
حين مات محمد عام 632، نشب خلاف داخل الجماعة حول من سيستلم القيادة. يؤمن السُّنّة، وهم يشكلون 85% من المسلمين اليوم، ان النبي ترك هذا الخيار مفتوحًا للمؤمنين لكي يقرروا. فاختاروا أبو بكر ليكون الخليفة الأول وهو من المؤمنين الأوائل وقائد قبيلة معتبر.
من الجهة الأخرى، فان الشيعة يؤمنون ان محمد عيّن ابن عمه علي خليفة له. لكن تحالف القبائل تغاضى عن إرادة محمّد. تم اختيار في النهاية اختير على كالخليفة الرابع، لكنه اغتيل في خضم حرب أهلية إسلامية. بعدها انتقلت الخلافة الى نظام الحكم بالوراثة. أهمية هذا التاريخ السياسي قليلة بالنسبة للعلويين، لكنهم يتشاركون مع الشيعة في إيمانهم أن علي كان الامام الأول.
يعدّ معظم الشيعة سلسلة من اثني عشرة امامًا من نسل علي، ممن يُعتبرون أنهم قد مُنحوا موهبة التبصر فوق الطبيعي حتى يفسروا القرآن والتقليد الديني الإسلامي. كما يؤمنون ان الامام الثاني عشر قد اخفى نفسه- مما يدخلنا في فترة تسمى “الغيبة” – وسيعود ليظهر ثانية في نهاية الزمان.
لكن العلويون يتبعون محمد ابن نصير من القرن العاشر والذي كان تلميذًا للإمام الحادي عشر واعلن نفسه أنه “باب” للوحي الإلهي. نتيجة لذلك، سُمي العلويين “نصيرين”، احيانًا من باب السخرية.
سمى المسيحيين المسلمين مرّة “محمديين” نسبة الى النبي. لكن الإسلام يُعلّم انه ينبغي تعظيم الله فقط. (الإسلام في اللغة العربية تشير الى “من يسلّم “(الى الله)). وبحسب هذا الايمان، اسم الشيعة يشير في العربية الى “شيعة” (حزب) عليّ السياسية وليس الى علي نفسه. بالمقابل، المصطلح “علوي” يركز على شخص علي، مما يجعل الطائفة تتهم بأنها ترفع- وحتى تؤلِّه- دور الامام الأول.
ان فكرة التأليه- التي يرفضها زياد جملة وتفصيلًا- تأتي من الأفكار التي قدمها ابن نصير وتلاميذه اللاحقين. هم علّموا ان الله ارسل رسالته للبشرية من خلال سبعة دوائر من ثلاثة افراد مرتبطين: الباب والاسم والمعنى (لا يُحسَب ابن نصير، مؤسس الطائفة، بين هذه الثلاثية رغم انهم يعتبرون انه أحد اولئك الذين أتت المعرفة من خلالهم).
تبدأ الدائرة الأولى مع آدم، الذي يمثل اسم الله، بينما هابيل يكشف معنى الله من خلال البوابة التعليمية للملاك جبرائيل. في الدوائر اللاحقة، الشخصيات التي ترتبط مع اغلب البوابات هي من خارج الاسفار القانونية الكتابية، لكن الاسم- تشكيلات المعنى تتلاءم مع القالب الكتابي للشخصيات بمن فيهم يعقوب- يوسف، موسى- يشوع ويسوع- بطرس.
يربط الخبراء هذه الخطة الكونية مع الافلاطونية القديمة، التي اثرت على التيار الاغنوسي في المسيحية الاولى. كما ويشير التاريخ لفئات شيعية غير تقليديّة أخرى ممن حملت مفاهيم مخفيّة مشابهة، غامضة ومتاحة فقط لعدد محدود من التلاميذ الأمناء. هذه المعرفة العميقة لله تجعل الطاعة الشعائرية غير ضرورية.
ويركّز العلويون غير المطلعين على هذه المعرفة الأعمق، على السلوك الصحيح المتماشي مع حياة أخلاقية بالمجمل: مساعدة الآخرين، الإخلاص، عدم السرقة وعدم القتل. تماشيًا مع هذه الروح، يعتبر زياد نفسه “علمانيًا” وليس مطلعًا على اسرار طائفته. وقام بتسمية “الله، محمد وعلي” بانهم الثالوث العلوي النهائي. لكن علماء الدين في الطائفة يؤكدون انه في الوقت الذي كشف فيه محمدًا اسم الله وأعطى عليّ المعنى، فان البوابة السابعة والدائرة النهائية هي سلمان الفارسي وهو عبد محرَر ورفيق محمد وعلي.
ان مفهوم الله في الإسلام هو موحّد- توحيد مطلق.
يرفض المسلمون الثالوث المسيحي للآب والابن والروح القدس. رغم ان العلويين يرون شخصيات الدوائر السّبعة كانبثاق من الله الواحد، فان رجال الشريعة المسلمين أصدروا فتاوى يُعلنون فيها ان الطائفة انحرفت ومن هنا هي عُرضة للجهاد. في القرن الثالث عشر نزح العلويون من العراق الى الساحل السوري لاجل امانهم في عزلة نسبية ولكنهم استمروا بالتعرض للمذابح بالآلاف في الاعوام 1317 و1516.
إضافة لهذه المفاهيم المتباعدة عن الله، فان العلويون يؤمنون ايضًا بتناسخ الارواح. ومرة أخرى، هذه يتعارض مع المسلمين الآخرين الذين يرفضون فكرة وجود اكثر من حياة. بالنسبة لهم، بعد الموت تأتي الدينونة.
حسب اخت زياد، عندما أصبح اخوها في عمر 18 شهرًا، ابتدأ يتكلّم الى شريك حوار خيالي، واصفًا بالتفصيل عن وجود سابق له في بيت بجانب بحيرة، وعن وسام عسكري اعلى مرتبةً من وسام زميله وعن اصابة من طلقة نارية في رِجلِه. ولم تستغرب اخته التي بلغت من العمر تسعة أعوام من ذلك. ان ذكريات الحياة السابقة شائعة في المجتمع.
يؤمن العلويون ان تقمص الأرواح يعود الى ما قبل الخلق، حين وجِدوا في الأصل مع الله كَ”كائنات نورانية”. ولكن بعدما ادّعوا المساواة مع خالقهم، ادانهم الله وحكم عليهم بالهيئة البشرية على الأرض. رغم ذلك فان الله وسّع رحمته من خلال رسُله الثلاثي. في اطاعتهم للرؤيا التي استلموها، يقدر العلويون الرجوع الى جوهرهم وسوف يظهر كل منهم كنجم في السماء.
تناسخ الأرواح ضروري لأنه يتوافق مع عدل الله، يقول زياد. هو يشعر انه من غير المنصِف ان يدين الله الغني والفقير بنفس الطريقة او ان تعتمد ابدية الشخص على حياة واحدة فقط. بدلًا من ذلك، ومع كل حياة يعيشها المرء ، يطهّر الافراد تعدّياتهم حتى تعيد تجربة السماء تأسيس قربهم من محبة الله.
بعد قرون من العيش بقرب المسيحيين، تبنى العلويون عدة ممارسات مشابهة. انهم يحتفلون بعيد الميلاد ويكرّمون مريم المجدلية ويطلبون شفاعات القديسين مثل سمعان العمودي، الناسك السوري من القرن الرابع الذي قضى 36 عامًا فوق عامود. تحفتظ أخت زياد في زهور مجفّفة داخل علبة صغيرة شفّافة مع صورة للعذراء مريم في محفظتها. هي لا تزيلها من مكانها وقد اعارت حقيبة اليد البنّيّة المصنوعة من الجلد لابنتها خلال فترة امتحانات المدرسة.
وصف تي أي لورنس (المعروف ب-لورنس العرب) العلويين والمسيحيين كمن اقتربوا من بعض بسبب الاضطهاد المشترك الذي عانوه. علماء دين آخرين وصفوا ممارسة “التقية”- على أنّه تحريف معتقد الفرد لأجل ضمان النجاة- كعنصر مصيري في الهوية العلوية. تاريخيًا تبنى الشيعة هذا المفهوم المثير للجدل خلال أوقات الاضطهاد السنّي، ولربما تبعهم العلويون في ذلك ايضًا.
المذبحة الأخيرة في سوريا نقضت النزعة الحديثة من إعطاء العلويين مكانة مسلمين. رغم ان العوامل السياسية ساهمت في ذلك، لكن مفتي القدس الأكبر، وهو سنّي، قام عام 1936 بالإعلان انهم ليسوا مُرتدّين. وفي عام 1972 قام رجل دين شيعي إيراني مُقرب من رئيس سوريا آنذاك الأسد، بإصدار فتوى مشابهة. تمنح لبنان للعلويين مقعدين من حصة المسلمين في البرلمان (الطائفة الأكبر والمخالفة وغير تقليدية من الطائفة الدرزية حصلت على 8 مقاعد).
بخلاف المسلمين والمسيحيين، لكن العلويون لا يشاركون ايمانهم. لكنه ليس امرًا مفاجئًا ان يختلط الدين والسياسة، كما شهد الإسلام في زمن أبو بكر وعلي منذ البداية. وهكذا كان ايضًا في الحرب الاهلية السّورية.
“بعد الثورة، نريد ان نقتلهم”، يؤكد ابن الثلاثة عشرة سنة في 2012 مع اندلاع الصراع. لربما نشأ ليصبح أحد المسلمين المسلّحين الذي صرّح “كل علوي يقتل هو علوي يقتل بسبب الأسد”. لكن بالنسبة لزياد، مهما كانت الأخطاء السياسية التي ارتكبها العلويين، على سوريا ان تحترم كل الأديان.
“لا يهمني امر طائفتك او بماذا تؤمن”، يقول زياد. ” نحن نريد فقط ان نحافظ على علاقات حسنة مع الجميع.”